أوضحت الدكتورة سينم جنكيز أن سياسة تركيا الإقليمية تشهد تحولًا متسارعًا مع تنامي علاقاتها بكل من مصر وسوريا، في مسار يعكس توجه أنقرة نحو بناء منظومة أمنية جديدة على حدودها الجنوبية، ويضع التعاون العسكري والدفاعي في صدارة أولوياتها الإقليمية، وسط تغيرات متلاحقة في موازين القوى بالشرق الأوسط.


وذكرت عرب نيوز أن التطورات التي شهدتها العلاقات التركية مع مصر وسوريا خلال الشهرين الماضيين، رغم اختلاف مساريهما، تكشف أن الشراكتين أصبحتا ركيزة أساسية في الاستراتيجية الإقليمية لأنقرة. فكل من القاهرة ودمشق تحتلان موقعًا مختلفًا، لكنه متساوٍ في الأهمية داخل الحسابات التركية، بعدما تجاوزت العلاقات معهما سنوات طويلة من التوتر.

 

التعاون العسكري بين مصر وتركيا يفتح مرحلة جديدة


ووقعت مصر وتركيا، الأسبوع الماضي، خطاب نوايا يؤسس لإطار تعاون في الصناعات الدفاعية، خلال زيارة وزير الدفاع المصري الفريق أشرف سالم زاهر إلى أنقرة، وهي أول زيارة من نوعها منذ عام 2013.


وجاءت الزيارة بعد أسبوعين فقط من زيارة رئيس الأركان التركي الجنرال سلجوق بيرقدار أوغلو إلى القاهرة، حيث شارك في الاجتماع الخامس للجنة التعاون العسكري المصرية التركية، ووقع الجانبان البروتوكول النهائي الذي يرسم خريطة الطريق للأنشطة العسكرية المشتركة خلال المرحلة المقبلة، وهو ما يعكس أن الاتفاق الأخير يأتي ضمن مسار متكامل لتوسيع التعاون العسكري وليس خطوة منفصلة.


ورغم محدودية المعلومات المعلنة بشأن خطاب النوايا، فإن القاهرة أبدت منذ سنوات اهتمامًا بالتعاون مع الصناعات الدفاعية التركية المتطورة. وأشارت تقارير سابقة إلى دراسة مصر الانضمام إلى برنامج المقاتلة التركية من الجيل الخامس "قان" كشريك في التصنيع والإنتاج.


كما افتتحت شركة الصناعات الدفاعية التركية "أسيلسان" مكتبًا لها في مصر العام الماضي، ووقعت اتفاقات أولية مع ثلاث شركات مصرية بهدف تطوير شراكات محلية قد تقود لاحقًا إلى إنتاج مشترك.


وأكدت الكاتبة أن التعاون العسكري بين البلدين توسع بالفعل، إذ شاركت القوات المصرية والتركية منذ سبتمبر 2025 في عدة تدريبات عسكرية ثنائية ومتعددة الأطراف، من بينها مناورة "صداقة البحر" في شرق البحر المتوسط، وهي أول مناورة بحرية مشتركة بين البلدين منذ ثلاثة عشر عامًا.


كما انطلقت في وقت سابق من يوليو مناورات "النسر الذهبي 2026" داخل منشآت تدريب قوات المظلات والصاعقة المصرية، وهو ما يعكس اتساع البعد العملياتي للشراكة الدفاعية بين القاهرة وأنقرة.


سوريا تعزز العمق الأمني للاستراتيجية التركية


وربطت الكاتبة التقارب مع مصر بالتحولات التي تشهدها العلاقات التركية السورية، مشيرة إلى أن الفرقاطة التركية "تي سي جي إسطنبول" زارت ميناء اللاذقية خلال الأسبوع نفسه، في أول زيارة لسفينة حربية تركية إلى سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد عام 2024.


وفي الفترة ذاتها، زار الرئيس السوري أحمد الشرع العاصمة التركية أنقرة، حيث شارك في اجتماع مرتبط بحلف شمال الأطلسي، وعقد مباحثات مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.


وترى الكاتبة أن سقوط نظام الأسد أعاد رسم موقع سوريا في النظام الإقليمي، وأتاح لأنقرة أن تصبح أحد أقرب شركاء الحكومة الانتقالية الجديدة في دمشق.


وخلال عام 2025، وقعت تركيا وسوريا اتفاقًا أمنيًا شاملًا يشمل التدريب العسكري المشترك، والتعاون المؤسسي، وتبادل الخبرات الأمنية، كما شارك الجيش السوري الجديد في مناورات "إيفيس 2026" متعددة الجنسيات التي نظمتها تركيا، في أول مشاركة سورية إلى جانب دول أعضاء في حلف الناتو منذ الانتقال السياسي.


وأضافت أن زيارة البحرية التركية إلى اللاذقية حملت دلالات استراتيجية، إذ عكست استعداد أنقرة لدعم الأمن البحري السوري بعد الضربات الإسرائيلية التي ألحقت أضرارًا كبيرة بالبحرية السورية، كما أبرزت الأهمية الاستراتيجية لميناء اللاذقية باعتباره أحد أهم الموانئ السورية ونقطة محورية في شرق البحر المتوسط، حيث وسعت تركيا حضورها البحري خلال العقد الأخير.


تحولات إقليمية تدفع أنقرة إلى بناء شراكات أمنية جديدة


ورأت الكاتبة أن العلاقات مع مصر وسوريا تعكس سعي تركيا إلى ترسيخ نفوذها في شرق البحر المتوسط والعالم العربي، مؤكدة أن التعاون السياسي وحده لم يعد كافيًا، وأن أنقرة تسعى إلى الارتقاء بعلاقاتها مع الدول العربية عبر شراكات أمنية ودفاعية أعمق لمواجهة التحديات الناتجة عن التحولات الإقليمية والدولية.


وأوضحت أن النظام الإقليمي شهد تغيرات جوهرية منذ نهاية عام 2024، شملت سقوط نظام الأسد، وتراجع نفوذ إيران الإقليمي، واتساع العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل سوريا، واستمرار حالة الغموض بشأن الصراع الأمريكي الإيراني، إلى جانب تصاعد الاضطرابات في البحر الأحمر وشرق البحر المتوسط.


وأكدت أن تركيا ومصر وسوريا تدرك أن هذه المتغيرات تفرض تحديات متزايدة على مصالحها الأمنية، رغم اختلاف أولويات كل دولة.


وأضافت أن أنقرة تنظر إلى شراكاتها مع القاهرة ودمشق من المنظور الاستراتيجي نفسه، إذ تمثل مصر الركيزة الغربية للجبهة الجنوبية التركية في شرق المتوسط، بينما تشكل سوريا خط الدفاع الجنوبي المباشر، وهو ما يجعل التعاون العسكري والصناعات الدفاعية والحوار المؤسسي عناصر أساسية في السياسة التركية تجاه البلدين.


وأشارت الكاتبة إلى أن مصر وسوريا، رغم اختلاف أولوياتهما، تتشاركان قناعة متزايدة بأن توثيق العلاقات الدفاعية مع تركيا، باعتبارها عضوًا مؤثرًا في حلف الناتو وتمتلك صناعة دفاعية متطورة، أصبح ضرورة للحفاظ على موقعهما داخل البيئة الاستراتيجية الإقليمية.


واختتمت الكاتبة بالتأكيد على أن استمرار هذا التقارب الثلاثي قد يؤثر في موازين القوى في شرق البحر المتوسط والشرق الأوسط، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن الخلافات بين مصر وتركيا بشأن بعض ملفات شرق المتوسط لا تزال قائمة، كما أن الأوضاع في سوريا تبقى هشة، وهو ما يفرض على القاهرة ودمشق مواصلة تحقيق التوازن في علاقاتهما مع بقية القوى الإقليمية، بالتوازي مع تعميق التعاون الأمني مع أنقرة.

 

https://www.arabnews.com/node/2651328